محمد كرد علي
119
خطط الشام
وعلى عهد الإسكندر دخل الشام طرز جديد في البناء أي أصول الهندسة اليونانية . غصت جبال الشام بالمغاور الطبيعية والصناعية ، ومنها ما كان لسكنى أهلها قبل أن عرف التاريخ ، ومنها ما جعلوه قبورا لموتاهم في الأمم التي عرف بعضها التاريخ ، وقد ثبت بهذه المغاور أن الشاميين استعملوا منذ الزمن الأطول آلات من المعادن لقطع الحجر ونحته . ولا يمكن تحديد العصر الحجري في الشام ، ويمكن أن يردّ العصر المعدني إلى ثلاثة آلاف سنة قبل المسيح . وفي غربي الأردن آثار كثيرة من ذلك ، وكلها ذات صلة بعبادات الأقدمين . واحترام الأحجار المقدسة كان قديما منتشرا في جميع أرجاء الشام . ومن المغاور مغاور عدلون بين صيدا وصور ومغاور نهر إبراهيم في لبنان ، ومغاور بيروت وجبيل وأنطلياس ، ومن مصانع فلسطين الصهاريج ومعاصر الزيت والخمر . وبناء الفينيقيين من هذا النوع أجمل من بناء العبرانيين . وقد اقتبس العبرانيون في أصول مبانيهم مباني الفينيقيين ، وهؤلاء أخذوا على ما يظهر من المصريين ، وقد قيل : إن بنائين فينيقيين هندسوا معبدي داود وسليمان . ويقول سنيوبوس : إن القدس كانت بالنسبة لبابل وثيبة عاصمة أقاليم فقيرة ، وما كان العبرانيون يتعاطون البناء ويميلون إلى العمران ، بل كانت ديانتهم تحظر عليهم إقامة المعابد ، ولم يكن في القدس إلا قصر سليمان وهو أول معبد عبراني . وأخذت الشام أصول الهندسة اليونانية وتناغت بها قبل أن يفتحها الإسكندر . ولم يبق من الآثار اليونانية على كثرتها في الشام بقدر ما بقي من الآثار الرومانية . فإن الرومان أنشأوا مدنا برمتها خططوها على أصولهم . وكان من هذه المدن ما بني على نفقة أباطرة رومية . ومعلوم أن الرومان تفننوا في البناء وخلفوا في كل مكان امتد سلطانهم عليه آثار الهندسة من طرق وقنوات وأسوار ومسارح وملاعب وحمامات ، مما شهد لهم باتساع الفكر ومعرفة الهندسة والمتانة في العمل وجمال الأسلوب . لا جرم أن علاقة الشام بإيطاليا أقدم من الإسلام ، علاقتها بأرضنا مذ كنا ولاية رومانية تحكمنا رومية عاصمة تلك الأمة العظيمة . وأخذ النصارى في بناء كنائسهم عن فارس والشرق ، ثم اقتبس منهم الرومان أصولهم في البيع ، وما لبثت الصناعات الفارسية والبيزنطية أن اختلطت